محمد متولي الشعراوي
1926
تفسير الشعراوى
وعندما تقول : زحزحت فلانا ، معناها أنه كان متوقفا برعب ، فكيف يحدث ذلك عند النار ؟ . نعرف أن النار سببها المعصية ، والمعصية كانت لها جاذبية للعصاة ، ويأتي الإيمان ليشدهم فتأخذهم جاذبية المعصية ، فكذلك يكون الجزاء بالنار . إذن فالنار لها جاذبية لأنها ستكون في حالة غيظ . . ولذلك يقول ربنا : تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ( من الآية 8 سورة الملك ) النار تتميز من الغيظ على الكافرين . وما معنى تميز من الغيظ ؟ أما رأيت قدرا يفور ؟ ساعة يفور القدر فإن بعض الفقاقيع تخرج منه وتنفصل عما في القدر ، وهذا « تميز » أي تفترق ، والإنسان منا عندما يكون في حالة غيظ تخرج منه أشياء كفقاقيع غليان القدر إنه يرغى ويزبد أي اشتد غضبه ، هذه الفقاقيع تحرق من يقف أمامها أو يلمسها ، وهي من شدة الفوران تميز بعضها وانفصل عن القدر ، كذلك النار ، ولماذا تميز من الغيظ ؟ إنها تميز من الغيظ من الكافرين ؛ لأنها أصلها مسبّحة حامدة شاكرة ، وبعد ذلك يقول لها الحق : هَلِ امْتَلَأْتِ وتقول : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ( من الآية 30 سورة ق ) وذلك مما يدل على أن كلمة : « تميز من الغيظ » حقيقة ؛ ولذلك يبين لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن النار لها جاذبية ، فالنار إنما كانت نتيجة المعصية في الدنيا ، والمعصية في الدنيا هي التي تجذب العصاة ، يقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك : ( مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذبّهنّ عنها ، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلّتون من يدي ) « 1 » انظر إلى التشبيه الجميل - حين توقد نارا في خلاء فأول مظهر هو أن ترى الفراش والهوامّ والبعوض تأتى على النار ، ولذلك يقولون : ربّ نفس عشقت مصرعها . لقد جاءت تلك الحشرات على أساس أنها جاءت للنور ، إننا نرى ذلك عندما نشعل موقدا في الخلاء فأنت تجد حوله الكثير من هذه الحشرات صرعى ، تلك
--> ( 1 ) رواه أحمد ومسلم عن جابر .